السيد هاشم البحراني

170

البرهان في تفسير القرآن

ثم قال لموسى : * ( لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) * قال موسى : * ( أَولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ) * . قال فرعون : أْتِ بِه إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاه فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ) * فلم يبق أحد من جلساء فرعون إلا هرب ، ودخل فرعون من الرعب ما لم يملك به نفسه فقال فرعون : نشدتك بالله ، وبالرضاع ، إلا ما كففتها عني ، فكفها ، ثم نزع يده ، فإذا هي بيضاء للناظرين ، فلما أخذ موسى العصا رجعت إلى فرعون نفسه ، وهم بتصديقه ، فقام إليه هامان ، فقال له : بينما أنت إله تعبد ، إذ صرت تابعا لعبد ! ثم قال فرعون للملأ الذين حوله : * ( إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِه فَما ذا تَأْمُرُونَ ) * إلى قوله : * ( لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) * . وكان فرعون وهامان قد تعلما السحر ، وإنما غلبا الناس بالسحر ، وادعى فرعون الربوبية بالسحر ، فلما أصبح بعث في المدائن حاشرين ، مدائن مصر كلها ، وجمعوا ألف ساحر ، واختاروا من الألف مائة ، ومن المائة ثمانين ، فقال السحرة لفرعون : قد علمت أنه ليس في الدنيا أسحر منا ، فإن غلبنا موسى فما يكون لنا عندك ؟ قال : * ( إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) * عندي ، أشارككم في ملكي . قالوا : فإن غلبنا موسى ، وأبطل سحرنا ، علمنا أن ما جاء به ليس من قبل السحر ، ولا من قبل الحيلة ، وآمنا به ، وصدقناه . فقال فرعون : إن غلبكم موسى ، صدقته أنا أيضا معكم ، ولكن أجمعوا كيدكم ، أي حيلتكم » . قال : « وكان موعدهم يوم عيد لهم ، فلما ارتفع النهار من ذلك اليوم ، جمع فرعون الخلق ، والسحرة ، وكانت له قبة طولها في السماء ثمانون ذراعا ، وقد كانت كسيت بالحديد والفولاذ المصقول ، فكانت إذا وقعت الشمس عليها ، لم يقدر أحد أن ينظر إليها ، من لمع الحديد ، ووهج الشمس ، وجاء فرعون وهامان ، وقعدا عليها ينظران ، وأقبل موسى ينظر إلى السماء ، فقالت السحرة لفرعون : إنا نرى رجلا ينظر إلى السماء ، ولن يبلغ سحرنا إلى السماء ، وضمنت السحرة من في الأرض . فقالوا لموسى : إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ) * « 1 » قال لهم موسى : * ( أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وعِصِيَّهُمْ ) * فأقبلت تضطرب ، وصالت « 2 » مثل الحيات ، وهاجت ، فقالوا : * ( بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ) * . فهال الناس ذلك ، فأوجس في نفسه خيفة موسى ، فنودي : لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى وأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى « 3 » . فألقى موسى عصاه ، فذابت في الأرض مثل الرصاص ، ثم طلع رأسها ، وفتحت فاها ، ووضعت شدقها الأعلى على رأس قبة فرعون ، ثم دارت ، وأرخت شفتها السفلى ، والتقمت عصي السحرة ، وحبالها ، وغلب كلهم ، وانهزم الناس حين رأوها ، وعظمها ، وهولها ، مما لم تر العين ، ولا وصف الواصفون مثله قبل ، فقتل في الهزيمة ، من وطء الناس بعضهم بعضا ، عشرة آلاف رجل وامرأة وصبي ، ودارت على قبة فرعون - قال - فأحدث فرعون وهامان في ثيابهما ، وشاب رأسهما ، وغشي عليهما من الفزع .

--> ( 1 ) الأعراف 7 : 115 . ( 2 ) صال عليه : إذا استصال ووثب . « الصحاحة صول - 5 : 1746 » . وفي المصدر : صارت . ( 3 ) طه 20 : 68 و 69 .